مولي محمد صالح المازندراني

200

شرح أصول الكافي

في ذلك هو الإجماع الواقع في الصدر الأوّل حتّى قال أبو بكر في خطبته : إنَّ محمّداً مات ولابدَّ لهذا الدِّين ممن يقوم به ، فبادروا إلى تصديقه وقبلوا قوله ، ولم يخالف في ذلك أحدٌ وتبعهم في ذلك التابعون وتابعوهم إلى هلّم . وقال بعض الناس : إنَّ دليل وجوب نصبه إنّما هو العقل لأنَّ في ترك الناس لا إمام لهم مع اختلاف الآراء فساداً في الدِّين والدُّنيا . وقال الآبي : القائل بوجوبه عقلاً الإماميّة ( 1 ) والجاحظ والكعبي وأبو الحسين البصريّ ثمّ اختلف هؤلاء ، فقال الإماميّة : الوجوب في ذلك إنّما هو على الله سبحانه وتعالى . وقال الجاحظ وصاحباه إنّما الوجوب في ذلك على الخلق . أقول : قول أبي بكر « لابدَّ لهذا الدِّين ممن يقوم به » إمّا صادق أو كاذبٌ فعلى الثاني : لزم كذبه وكذب مَن صدّقه وبطلان الإجماع ، وعلى الأوّل : فإمّا أن يكون النبي ( صلى الله عليه وآله ) عالماً بأنّه لابدّ لهذا الدِّين مَن يقوم به أو لم يكن ؟ فعلى الأوّل : لزم أن يكون النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) مضيّعاً لدينه حيث لم ينصّب مَن يقوّم به دينه وتاركاً للواجب ، وعلى الثاني : لزم أن يكون أبو بكر أعلم منه فيما له مدخل في صلاح دينه ، ثمّ أقول على الجاحظ والكعبيّ وأبي الحسين البصري إنّما ذكرتم من دليل العقل إنّما دلّ على وجوب نصبه على الرَّسول وتخصيصه بالاُمّة لا وجه له ، ثمّ قال الآبي : الأقوال في نصبه ستّة : وجوب نصبه على الخلق مطلقاً لدليل السمع ، ووجوبه لدليل العقل على الله سبحانه ، ووجوبه لدليل العقل على الخلق ، ووجوب نصبه في الفتن لا في الأمن وعكسه ، والسادس عدم وجوبه مطلقاً وهو مذهب الخوارج ( 2 ) .

--> 1 - قوله : « القائل بوجوبه عقلاً الإماميّة » وغرض أصحابنا أيّدهم الله تعالى ان العقل كاشف عن كونه واجباً من الله تعالى وكذلك في كل حكم شرعي يثبت بالعقل كحرمة الغصب أن العقل يكشف عن كونه ثابتاً في الشرع لا أنه ليس واجباً شرعاً بل عقلاً فقط حتى لا يكون من المسائل الدينية . ( ش ) 2 - قوله : « وهو مذهب الخوارج » تمسّكوا بقوله تعالى ( إن الحكم إلاّ لله ) وأجاب عنهم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على ما روى في نهج البلاغة : إنها كلمة حق يراد بها الباطل . وهؤلاء يقولون لا إمرة إلاّ لله . يعني أن الإمرة غير الحكم ولابد من أمير يحكم بحكم الله تعالى لا بحكم غيره ولا ريب أن حكم الله لابد أن ينفّذه أمير ولذلك لم يتم أمر الخوارج أيضاً في زمان إلاّ بأمير لهم . فإن قيل : سلّمنا أن الإمامة واجبة عقلاً وشرعاً ولا يتم الدين إلاّ بالإمامة ولكن المقدار المسلّم من ذلك إثبات أصل الإمامة ووجود إمام ما ولا يجب تعيين شخصه على النبي ولا على الله تعالى كما أنه أوجب الجهاد والدفاع ونعلم أن ذلك لا يتم إلاّ بجند ورئيس للجند ولا يجب تعيين رئيس الجند شخصاً وكما أوجب تعليم القرآن والفقه وحفظ شعائر الدين ومشاعره ولا يوجب ذلك تعيين شخص المعلّم وحافظ الشعائر فنقول : أوّلاً : إن في الإمام شروطاً لا يطّلع عليها الناس كما مرّ ويأتي إن شاء الله . وثانياً : بعد أن علم أن الإمامة من الدين وكماله فلابد أن لا يكتفي النبي ( صلى الله عليه وآله ) بإيجابها إجمالاً بل إما أن يصرّح بأن الأمر مفوّض إلى الناس يختارون مَن شاؤوا وأما أن يصرّح بالتعيين ، وادعى كثير تصريحه باختيار علي ( عليه السلام ) ولم نر في كتاب حديث أو تاريخ وسيرة أنه ( صلى الله عليه وآله ) قال يوماً لأصحابه « فوضت أمر الخلافة بعدي إليكم فانصبوا مَن شئتم » فإذا لم يكن هذا قطعاً ثبت الاحتمال الآخر وهو تعيين علي ( عليه السلام ) ، وأما الإجمال والإبهام فغير محتمل مع ما نعلم من عمل الخلفاء بعده من التعيين أو التفويض إلى أهل الشورى صريحاً ولم يكونوا أعقل وأسوس وأحكم تدبيراً وأنظر لحفظ الدين من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . ( ش )